تاريخ النشر 2018-04-02 الساعة 22:44:05
الكنز
د. جميل بغدادي

عاش رجل عجوز وزوجته سنوات عديدة مع بعضهما البعض، لقد حرمهما الله نعمة الأولاد، إلا أن ذلك زاد من تعلقهما وحبهما واحترامهما لبعضهما البعض، لقد كانـا على الدوام حبيبين وصديقين وزوجين. مرت الأيام سريعة وكبر الزوجان، لقد أصبح الرجل في الخامسة والسبعين من العمر، في حين كانت زوجته تصغره بنحو خمس أعوام فقط، ونتيجة تقدمهما في السن، أصبحا ضعيفي البنية وقليلي النشاط وهذا الشيء طبيعي لأن هذا قدر الجميع فلا يستطيع أي كان أن يعيش في شيخوخته كما عاش في المراحل السابقة .
لقد أدخر العجوزان الكثير من المال من الأرض التي عملا فيها بجد طوال حياتهما للمستقبل، أما الآن فقد جفت وتشققت لعدم تمكنهما من رعايتها، وهكذا أخذا يصرفان من الأموال التي ادخراها وبدأت تتناقص شيئاً فشيئاً، ومضت الأيام سريعة ونفذت آخر قطعة نقود يمتلكانها ولم يتبق في منزلهما شيئاً يقتاتان به.

 ذهب العجوز ليطلب المساعدة من أصدقائه وجيرانه، فقدم له البعض منهم المساعدة إلا أنهما أخذا فيما بعد يوصدان الأبواب في وجهه. مرضت المرأة المسكينة وقضت نحبها بشكل سريع بعد معاناة مع الآلم الشديد الذي لحق بها لعدم استطاعة زوجها تأمين الدواء والطعام والشراب. حزن الزوج كثيراً لرحيلها المفاجىء فقد كانت حبيبته ورفيقة دربه، أحبها من كل قلبه وعاش من أجلها وفقد برحيلها كل شيء .

أراد العجوز احتراماً وتقديراً لزوجته أن يدفنها بشكل لائق وهذا أقل ما يمكن أن يقدمه لها، وطلب من جيرانه المساعدة إلا أن أحداً لم يستجب لطلبه. أحس العجوز بالألم الكبير يعتصر قلبه، وقال وهو يضرب أخماساً بأسداس: هل تلاشت الرحمة من قلوب الناس؟ ألا يفكر أحدنا بما قد يحمله له المستقبل من مفاجآت؟ ألا يعرف أن الموت قدر الجميع؟ فالإنسان من التراب وإلى التراب يعود. جلس الرجل المنكوب حزيناً أمام جثمان زوجته وهو يفكر في طريقة لدفنها بأسرع وقت ممكن، فإكرام الميت دفنه. فكر قليلاً وسرعان ما غادر المنزل متوجهاً إلى كنيسة القرية، وقال وهو في الطريق: نحن نتردد باستمرار على الكنيسة والكاهن سيساعدني بالتأكيد في دفن زوجتي فهذا واجبه.

 كان الكاهن يقف أمام نافذة غرفته عندما شاهد العجوز يقترب من الكنيسة، فقال: إن الكنيسة مغلقة في هذا الوقت المتأخر من الليل فما سر هذه الزيارة المفاجئة. اقترب العجوز من الكاهن الذي غادر غرفته لمعرفة سبب قدومه. قال العجوز : أبتاه أريد مساعدتك في أمر هام جداً، ماهو هذا الأمر المهم ياعزيزي؟ فقال العجوز: لقد توفيت زوجتي منذ بضع ساعات وأريد دفنها في مقبرة القرية، ولكني لا أملك مالاً يساعدني في ذلك، فهل تساعدني بدفنها في مقبرة الكنيسة.

غضب الكاهن عندما سمع كلام العجوز وطلب منه مغادرة المكان قائلاً: لقد جئت ليلاً لتزعجني بهذا الكلام ، رحم الله زوجتك، إذا لم يكن لديك المال اللازم لدفنها في مقبرة القرية، فاذهب وادفنها في الأرض التي تملكها كما يفعل الكثيرون ممن لا يملكون المال، قال هـذا الكلام وعاد إلى غرفته داخل الكنيسة. حزن العجوز لتصرف الكاهن ولسماعه مثل هذا الكلام من رجل دين يفترض أنه كرس حياته ووقته لخدمة الناس ومساعدة المحتاجين.

قرر العجوز دفن زوجته في مدافن الكنيسة متحدياً كاهن الكنيسة، ذهب إلى منزله وجلس بجوار جثمان زوجته ثلاث ساعات حتى تأكد من استغراق الكاهن في سبات عميق. حمل معولاً ورفشاً وذهب إلى مدافن الكنيسة وبدأ يحفر في الأرض بعد أن اختار مكاناً بعيداً ومنعزلاً وفجأة أحس بأن المعول قد اصطدم بجسم صلب، وعندما حاول رفع المعول وجد غطاءً خشبياً معلقاً به، نظر إلى الأسفل وصرخ من المفاجأة فقد وجد صندوقاً مليئاً بالذهب. شعر العجوز بالسعادة فالله سيحقق أمنيته بدفن زوجته بشكل لائق، حمل الصندوق إلى منزله ووضعه تحت السرير وأغمض عينيه ليرتاح قليلاً وهو يمسك بيد زوجته.

 في صباح اليوم التالي لبس أجمل ما عنده من ثياب ووضع في جيبه قطعة من الذهب، وذهب إلى الكنيسة. عندما شاهده الكاهن اشتاط غضباً وأراد طرده، إلا أن االعجوز قدم له بكبرياء قطعة من الذهب وقال له : أريد دفن زوجتي في أفضل مكان في مقابر الكنيسة، عندما شاهد الكاهن المال سال لعابه وانحنى بمنتهى الاحترام ونفذ رغبة العجوز بمشاركة جميع أهالي القرية، فقد تغير الحال ففقير الأمس أصبح اليوم ثرياً .
لقد أخذ الكاهن وأهل القرية يترددون يومياً على العجوز لمواساته، وبعد قرابة الشهر جاء الكاهن لزيارة العجوز وقال له: أريد منك أن تقول لي الحقيقة من أين حصلت على الذهب؟ هل سرقت أحداً؟ هل قتلت أحداً؟ عليك أن تخبرني الحقيقة كاملة كي يخفر الله ذنوبك وخطاياك. قال العجوز: كلا يا أبتاه أنا لم أسرق أحداً ولم أقتل أحداً، فعندما طردتني من الكنيسة  صممت أن أدفن زوجتي في مقابر الكنيسة، وقد اخترت مكاناً منعزلاً في المقبرة، وبدأت بالحفر وهناك عثرت على صندوق المجوهرات. عندما سمع الكاهن كلام العجوز كاد أن يقفز من مكانه غيظاً وصرخ بغضب شديد: هذه الأموال لي، إنها أموال الكنيسة، لقد اعترفت لي أنها من مقبرة الكنيسة، عليك أن تعيدها لي في الحال. ابتسم العجوز لكلام الكاهن وقال له: لقد أصبح المال اليوم حق لك لأنه تابع للكنيسة؟ أليست زوجتي بدورها تابعة للكنيسة؟ لقد رفضت دفنها ولهذا فأنا أرفض أيضاً إعادة الأموال لك، قال هذا الكلام ونهض وفتح الباب للكاهن منهياً حديثه: يمكنك الآن العودة إلى الكنيسة، أعتقد أن الكثيرين بحاجة للاعتراف بالآخطاء التي ارتكبوها، وأتمنى منك أيضاً أن تذهب للاعتراف بالأخطاء التي ارتكبتها بحقي وحق زوجتي.

عدد التعليقات : 0

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
عدد زوار الموقعVisitor Counter
الآراء والتعليقات والمقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها
shamspress.com Copyright © 2019 All Rights Reserved
Powered by SyrianMonster Web Hosting Provider