تاريخ النشر 2018-04-02 الساعة 22:47:55
ممتاز الرجل الدب
د. جميل بغدادي

عاش في قديم الزمان ملك عرف بعدله وتسامحه وكرمه، وقد أحبه شعبه لصفاته الحسنة، وقد اشتهرت مملكته بالرخاء والاستقرار. وكان من الطبيعي أن يطمع الكثيرون لاحتلال مملكته والتمتع بثرواتها ولهذا فقد أصبح لهذا الملك الطيب أعداء كثر، وأراد أن يدافع عن مملكته وشعبه من طمع الأعداء الطامعين باحتلال عرشه واستعباد شعبه، ولهذا فقد أسس جيشاً قوياً من خيرة شباب مملكته وظهر بينهم عدد كبير من المقاتلين الأقوياء، وكان وجودهم في ساحة المعارك يلقي الفزع في قلوب خصومهم ويرفع معنويـات أصدقائهم، ومن المقاتلين الأبطال ظهر الجندي ممتاز، وقد كان في الحقيقية اسماً على مسمى فقد كان ممتازاً في كل شيء في قوته وشجاعته وذكائه ونبل أخلاقه فأصبح أمثولة وقدوة للآخرين.

لقد كان ممتاز يندفع إلى مقدمة الصفوف في ساحة المعركة للدفاع عن أرضه وشعبه ومواجهة الأعداء الطامعين، وقد استمر في خدمة الملك والمملكة عشر أعوام، حيث تمكن الملك من القضاء على الأعداء الطامحين بعرش بلاده، بانتصاره على جيوشهم وإجبارهم على توقيع معاهدات سلام، وهكذا عادت المملكة مجدداً لتعيش بسلام ولتطوي صفحات الحرب الغابرة.

بعد أشهر قليلة من توقيع الملك على آخر معاهدة سلام، نادى قائد جيوشه وقال له: لقد وقعنا منذ فترة وجيزة آخر معاهدة سلام، ولهذا لا أعتقد أننا  بحاجة بعد اليوم إلى هذا الكم الكبير من القوات، أنا لا أريد أن أتسبب بالضرر لأحد، ولكني أعتقد أن وجود هذا العدد الكبير من القوات لا مبرر له، ووجودها سيكبدنا أموالاً طائلة، وأعتقد أنه من الأفضل أن نقوم بتسريح نصف الجيش أو أكثر ليمارسوا حياتهم الطبيعية التي كانوا يقومون بها قبل انضمامهم إلى الجيش وفي هذا فائدة لهم وللمملكة. قال قائد الجيوش للملك: أصدقك القول يا مولاي لقد كنت أفكر بنفس الموضوع منذ مدة قصيرة، وكنت أتحين الفرصة المناسبة لأطلعك على ما يدور في مخيلتي. وإن ما تقوله يا مولاي هو عين الصواب، وأنت مشهود لك دائماً بحدة ذكائك ورجاحة تفكيرك. تنهد الملك وقال: إني الآن أشعر بالراحة فأنا لا أريد أن أتخذ قراراً يلحق الضرر بالآخرين .
        مضى أسبوعان وعمد قائد الجيوش إلى تسريح الآلاف من الجنود بعد أن قدم لكل منهم مكافأة نهاية الخدمة، ومكافأة أخرى إضافية من الملك وكان من ضمن المسرحين الجندي ممتاز، وقد حزن البطل الشجاع بداية الأمر ولكنه قال: إن الملك لم يظلم أحداً في قراره صحيح أنه أصدر أوامره بتقليص عدد الجيش ولكنه أنصف الجميع وساوى فيما بينهم ولم يفرق بين مقاتل وآخر، ولكن إلى أين يتوجب علي أن أذهب الآن فأنا لا أجيد أية مهنة في حياتي فقد تطوعت في الجيش وأنا في بداية شبابي، والداي قد توفيا فماذا أفعل؟ وإلى أين أتوجه؟ وأخيراً وبعد تفكير طويل قرر الذهاب لزيارة أشقائه فهو بالتأكيد لن يكون دخيلاً عليهم لأنه يملك الحق في العيش معهم نظراً لأن المنزل الذي يسكنون فيه هو منزل العائلة، جمع أمتعته ووضع بندقية الصيد على ظهره وودع أصدقائه ملقياً نظرة الوداع على القصر وسار باتجاه مسقط رأسه .

سار ممتاز على قدميه ساعات كثيرة وأمضى الليل في أحد الفنادق، وفي صباح اليوم الثاني إنطلق إلى مدينته ووصلها بعد منتصف الليل وقد كان في غاية الإرهاق، فقد أراد أن يلتقي بسرعة مع إخوته بدلاً من أن يمضي ليلته في فندق آخر، وصل إلى المنزل والعرق يتصبب من جسده، قرع الباب وفتح شقيقه الكبير الباب وعندما شاهده ممتاز أراد أن يضمه إلى صدره إلا أن شقيقه ابتعد عنه مبدياً إشمئزازه من رائحة العرق التي كست جسده وقال له بفتور: ما الذي أتى بك في هذا الوقت فقال له: لقد سرحت من الجيش منذ يومين وأنا ليس لي أحداً في هذه الدنيا سواكم ولهذا فقد قررت أن أعيش بينكم، وفي هذه الأثناء دخل الشقيق الثاني وسمع ما قاله ممتاز فقال له دون أية مقدمات: لا أدري في الحقيقة كيف ستتصرف

أنت تعلم أن منزلنا صغير وأنا وشقيقك الكبير متزوجان ولكل منا أربعة أولاد، ولهذا فلا يوجد مكان لك، أراد ممتاز أن يرد على شقيقه إلا أن شقيقه الكبير قال له: أعتقد أنه من الأفضل لك أن تبحث عن مكان آخر لتعيش فيه وفي نفس الوقت تبحث عن عمل مناسب وهذا ستجده بالتأكيد في مدينة أخرى، ففرص العمل ستكون كثيرة لك فأنت قوي البنية وفي مقتبل الشباب، وبالنسبة لهذا اليوم فيمكنك النوم في المطبخ سنفرش لك بساطاً لتنام عليه.

أحس ممتاز وكأن سكيناً طعن جسده ونهش لحمه من قسوة الكلام الذي سمعه من شقيقيه الكبيرين ومن سوء الاستقبال، لقد ندم على قدومه فهو غير مرحب به في منزله ومن قبل أقرب شخصين إليه، ولهذا فقد التزم الصمت، فتح الباب وغادر المنزل وسار في شوارع المدينة لا يعرف إلى أين يذهب، شعر بالتعب ولم يجد أي فندق يمضي ليلته فيه فنام على قارعة الطريق، وعندما استيقظ في الصباح لم يجد حقيبته فأدرك أن أحدهم سرقها والنقود التي كانت بداخلها.


مشى ممتاز في طريقه وسار ساعات عديدة حتى وصل إلى الغابة، لقد أخذ الوهن يغزو جسده المتعب فهو منذ يومين لم يأكل شيئاً، كان يسير في الغابة مطرق الرأس وفجأة ظهر أمامه رجل عجـوز وقال له: لماذا أنت حزين بهذا الشكل ما هي المصيبة التي حلت بك، فقال له ممتاز: أرجوك أن تدعني وشأني فأنا لا أريد أن أتحدث بهذا الموضوع لأحد، غير أن إصرار العجوز دفع ممتاز إلى قول الحقيقة، فقال له العجوز: أنت طيب القلب وقد طعنك أقرب الناس إليك، لا تحزن أعتقد أنك جائع وبحاجة إلى الطعام والشراب قال هذا الكلام وقدم للجندي الطعام والشراب، وبعد أن انتهى ممتاز من أخذ كفايته من الطعام شكر الله على صنيعه وشكر الرجل العجوز

فقال له العجوز: لقد أحببتك منذ أن شاهدتك، وأريد أن أساعدك لقد قلت لي بأنك جندي شجاع وأنك تتحلى بالصبر فقال له ممتاز: نعم ما قلته صحيح. جلس العجوز وابتسم بلطف وقال لممتاز: أريد أن اختبر مقدار صبرك وتحملك فهل أنت مستعد لهذا الرهان؟ فقال له ممتاز: أنا لم أفهم قصدك؟ عن أي رهان تتحدث؟ فقال العجوز: اسمعني جيداً يا بني أنت الآن لا تملك النقود وليس لديك أي مهنة وأنت بحاجة للراحة والطعام والشراب، وسأحقق لك ما تريد وسأجعلك غنياً جداً في حال نفذت الطلب الذي سأعرضه عليك، فقال له ممتاز متشوقاً لمعرفة المزيد: كلي آذان صاغية، فقال له العجوز: ما أريده منك سهل للغاية وكل ما عليك عمله هو أن لا تنام على أي سرير، وأن تسير بلا حذاء، وأن لا تمشط شعرك، وأن لا تحلق شعر رأسك ولا لحيتك ولا شاربيك، وأن لا تقص أظافر يديك أو قدميك، وأن لا تبدل ملابسك، وأن لا تغسل وجهك وأن لا تستحم طيلة 6 أعوام كاملة وبانقضاء الأعوام الستة يمكنك أن تفعل ما تريد، وستجد المال الذي تريد في أي وقت تشاء عندما تضع يدك داخل جيبك، ولكن طلبي الوحيد هو أن لا تخبر أحداً بهذا الاتفاق الذي بيننا، وفي حال أخبرت أي كان فستظل بمظهرك الجديد طوال حياتك، وإن حاولت خلال هذه السنوات مخالفة هذه الشروط فستكون عبداً لي، فكر في الموضوع ستكون غنياً جداً بعد انقضاء السنوات الست أو ستظل فقيراً في حال رفضت عرضي هذا.

لقد كان الجندي ممتاز يعتبر أثناء خدمته العسكرية أنه من القلائل الذين يملكون القدرة على التحلي بالصبر ، فكيف الآن والعرض مغر للغاية فهو بحاجة للمال، ولهذا فقد قال للعجو:  لقد قبلت عرضك يا سيدي فقال له العجوز: حسناً أنا سأراقبك خلال هذه السنوات فإن نجحت فستكون حراً وفي حال فشـلت فستكون عبداً لي قال هذا الكلام واختفى عن الأنظار،  غادر ممتاز الغابة باتجاه أول مدينة شعر في الطريق بالجوع ولكنه قال: إني لا أملك المال فكيف سأتصرف ولكنه تذكر كلام العجوز فوضع يده داخل جيبه فامتلأت بالنقود وعندها أدرك أن العجوز كان صادقاً في كلامه . دخل ممتاز فندقاً  للاستراحة وقد كان موضع استغراب نزلاء الفندق فقد كان يسير بلا حذاء، وقد أثار منظره اهتمام صاحب الفندق فأسرع إلى الجندي وقد أدرك ممتاز ما يجول في مخيلة صاحب الفندق فقال له على الفور بعد أن مد يده في جيبه وأخرج منها النقود وقدمها له: هذه أجرة شهرين كاملين، وتابع كلامه: إن قدمي تؤلمني كثيراً ولهذا فأنا لم أتمكن من ارتداء الحذاء، عندما شاهد صاحب الفندق النقود وقد أصبحت بيده وسمع كلام ممتاز أدرك أنه صادق في كلامه وأنه لم يتمكن من ارتداء الحذاء لألم في قدمه فمظهره وملابسه توحيان بأنه جدير بالثقة، أمضى ممتاز ستين يوماً في الفندق، وقد بدأ ظهوره في الفندق يثير استهجان النزلاء، فمظهره أصبح غريباً ومثيراً للإشمئزاز ورائحة جسده بدأت تفوح أينما سار، وقد بدأ أعداد النزلاء بالتناقص وعندما أراد أن يدفع أجرة شهر آخر اعتذر منه صاحب الفندق، بحجة عدم وجود أماكن شاغرة، فعرف ممتاز أنه غير مرحب به بعد الآن ليس في هذه الفندق بل في بقية الحانات .

 مضى العام الأول وأصبحت الحياة قاسية جداً على بطل قصتنا، لقد كان يفترش الأرض لينام متحملاً في الصيف أشعة الشمس وفي الشتاء البرد القارس، لقد أصبح في مظهره شبيهاً بالدب فهو ضخم الجسد، قوي البنية، الشعر الكثيف ملأ كل جسده ومنظره أصبح مرعباً وشنيعاً للغاية فأظافر قدميه ويديه وحدهما تثيران القرف والفزع، ولكنه بالرغم من مظهره المرعب هذا، إلا أن الكثيرين كانوا يحترمونه ويدعون له بالعمر المديد لأنه كان يساعدهم بالأموال فهو لم يترك محتاجاً إلا وطرق بابه ومنحه ما يحتاجه من مال، ولهذا فقد أطلق عليه الناس اسم ممتاز الرجل الدب.

مر العام الثاني والثالث والأمور تزداد سوءً، فقد أصبح ممتاز بالفعل شبيهاً بالدب، لقد أخذ يتجنب الاقتراب من الناس، ولكنه كان يساعد الكثيرين من المحتاجين دون أن يجعلهم يشاهدوا شكله المرعب الذي آل إليه، وقد كان يسترق السمع من أمام الأبواب ويعرف من هو المحتاج ويسرع لتقديم المساعدة إليه، وفي أحد الأيام سمع بأن هناك رجل يعمل في فندق المدينة يمضي الليل كله وهو يبكي بصوت يثير الشفقة، وقد قرر مشاهدة الرجل ومساعدته ومعرفة سبب بكائه، وفي اليوم ذاته وبعد حلول الظلام اقترب من الفندق دون أن يشعر به أحد وسمع بكاء الرجل، وقد عرف الغرفة التي يبكي بها الرجل، فأسرع وأخذ يسترق النظر من نافذتها فشاهد رجلاً كبيراً في العمر يجلس على كرسي وهو يضع يديه على ذقنه وهو منحني الرأس وهو ينتحب بشدة، لقد أحس ممتاز بالألم يعتصر قلبه لهذا المشهد المؤلم، وقرر مسـاعدة العجوز، دفع شباك النافذة وقفز بخفة رغم ضخامة جسده وأصبح داخل الغرفة، شعر العجوز بالفزع الشديد عندما شاهد ممتاز بالقرب منه لقد ظن للوهلة الأولى أن دباً كبيراً اقتحم غرفته، لقد أراد الفرار من الغرفة إلا أن ممتاز وقف في طريقه وقال مهدئاً إياه: لا تخاف مني يا جـدي فقد جئت لتقديم المساعدة إليك أنا من يلقبونه بممتاز الرجل الدب، عندها شعر العجوز بالراحة والهدوء فانتظمت دقات قلبه المتسارعة، فقد سمع الشيء الكثير عن ممتاز، قال الجندي للعجوز: أخبرني قصتك يا جدي؟ لماذا تمضي الليل كله وأنت تبكي؟ فقال له العجوز: أنا رجل غني جداً وكنت أقوم بتجارة رابحة وقد حققت نجاحاً كبيراً وقد كنت تعباً للغاية وقررت أن أرتاح قليلاً ، فوجدت هذا الفندق وقررت تمضية أيام قليلة فيه كي أستجمع قوتي ونشاطي لتشاهدني بناتي الثلاث وأنا بأفضل صورة، ولكن أحدهم استغل نومي وسرق نقودي كلها، وعندما أردت الرحيل هددني صاحب الفندق بدفع ما علي من أموال وإلا فإنه سيضعني في السجن، وهو جعلني خادماً للنزلاء مقابل إقامتي، ولهذا فأنا أبكي كل يوم شوقاً على بناتي الثلاث، وأنا هنا منذ عام وسأمضي بقية عمري أعمل لدى هذا الرجل الجشع .
غضب ممتاز كثيراً عندما سمع كلام العجوز المسكين، لتصرف صاحب الفندق الذي استغل حادثة السرقة ليستغل الرجل الطيب ويجعله خادماً لديه، وقال في نفسه ومن المحتمل كثيراً أن يكون هو من سرق الأموال أو أرسل أحدهم ليسرقها. مد ممتاز يده في جيبه وأخرج منها ما يريده العجوز من نقود وقال له: أطلب صاحب الفندق للحضور وأعطه المال أمامي؟ وهذا ما كان بالفعل وقد استغرب في البداية صاحب الفندق أن يدعوه العجوز فهو خادم عنده فكيف يدعوه للحضور، ولكن حب الفضول دفعه لتلبية دعوته. وقد اختبأ ممتاز خلف السرير ليراقب ماذا سيحدث، قدم العجوز على الفور المال لصاحب الفندق وقال له: هذا هو المال الذي تطالبني به ولهذا فأنا سأغادر الفندق في الغد، أصيب صاحب الفندق بالدهشة فمن أين حصل العجوز على المال، أخذ النقود ووضعها في جيبه وقال للعجوز: بالتأكيد لقد سرقت المال من أحدهم ولهذا فأنا لن أسمح لك بمغادرة الفندق وستظل تعمل عندي طوال حياتك، أخذ العجوز المسكين يبكي مجدداً ويندب حظه، وحين حاول صاحب الفندق مغادرة الغرفة أصيب بالفزع وسقط على الأرض مغشياً عليه فقد شاهد أمامه دباً يتطاير الشرر من عينيه .

عندما استفاق صاحب الفندق من غيبوبته قال له العجوز: أنا سأغادر الفندق بعد قليل هل ستحاول منعي أو أنادي صديقي الدب، فقال الرجل خائفاً: أنت حر في الذهاب ساعة تريد فقد دفعت دينك بالكامل وأسرع مغادراً الغرفة وهو ينظر ورائه برعب شديد، شكر العجوز ممتاز وقال له: لولاك لبقيت طوال حياتي حبيس هذه الغرفة، ولهذا أتمنى منك أن تأتي معي لتكون ضيفاً عزيزاً في قصري، وسأعرفك ببناتي ويمكنك اختيار واحدة منهم زوجة لك، شكره ممتاز على كرمه وحاول الاعتذار في مرافقته إلا أن العجوز أصر على طلبه، فرضخ ممتاز في نهاية الأمر ورافق العجوز، وعندما وصل القصر أطلقت الخادمات زغاريد الفرح لعودة سيدهم الذي شكرهم وأسرع بمفرده للقاء بناته اللواتي أخذن بالبكاء من شدة الفرح بعد أن قطعن الأمل بلقائه وكن ثلاثتهم يرتدين ملابس سوداء، فقال لهم: اخلعوا عنكن هذه الملابس وارتدوا أجمل ما لديكن فلدي ضيف أريد من إحداكن أن توافق على الزواج منه فهو الذي أنقذتي وحدثهن بقصته مع صاحب الفندق وكيف أنقذه ممتاز دون أن يقدم لهن تفاصيل عن هيئته المثيرة للرعب والإشمئزاز .

جلس ممتاز في غرفة الضيوف وقد تجنبته الخادمات خوفاً من مظهره ومن رائحة جسده التي ملأت ردهات القصر، وقد دخل العجوز ومعه بناته الثلاث، وعندما شاهدن ممتاز شعرن بالخوف الشديد، فقالت الابنة الكبيرة لقد شاهدت في حياتي الكثير من المخلوقات الغريبة إلا أني لم أشاهد مخلوقاً بمثل هذا المنظر والرائحة النتنة، قالت هذا الكلام وغادرت الغرفة على عجل، في حين قالت الابنة الثانية باستغراب وهي تنظر إلى والدها: كيف تفكر يا والدي الحبيب بأن تزوج إحدانا بمثل هـذا المخلوق البشع حتى لو أنقذ حياتك، لقد شاهدت في حياتي دبباً كثيرة ولكني لم أشاهد دباً مثله قالت هذا الكلام ولحقت بشقيقتها الكبرى، أما الابنة الصغرى فقد اقتربت من والدها وقالت له بحنان: إن عودتك بالسلامة أجمل هدية لنا، وهذا الرجل الطيب الذي أنقذك جدير منا بالاحترام والتقدير وأنا مدينة له بحياتي، وأنا على استعداد للزواج منه، عندها اقترب ممتاز من الفتاة وكان يرتدي خاتمين كانا لوالده ولوالدته وهو الشيء الوحيد الذي أخذه منهما، خلع خاتم والدته وألبسه للفتاة الجميلة وقال لها: أنا سأذهب الآن وسأعود بعد ثلاثة أعوام في حال عودتي ستكونين زوجة لي أما إذا لم تشاهديني بعد انقضاء الأعوام الثلاثة فأنت حرة في اختيار الزوج الذي ترغبين قال هذا الكلام وغادر القصر، ولم تسلم الفتاة المسـكينة من سخرية شقيقتيها فقد أخذن يهزأن منها ويقولان لها: هنيئاً لك بهذا الدب ذو الرائحة الكريهة. كيف ستقبلينه؟ كيف ستنامين معه؟ ألا تخافين بأن يأكلك؟ أنت مجنونة بالتأكيد لتوافقي على خطوبته .

مضى العام الرابع وتبعه الخامس وكانت المصاعب تزداد على ممتاز ولكنه أصر على متابعة المشوار حل العام السادس، وبدأ ممتاز يتنفس الصعداء لقد بدأ الآن العد التنازلي بالنسبة إليه، صحيح أن معاناته قد تضاعفت إلا أن إصراره على الصمود قد زاد وتعلقه بابنة العجوز ساعده كثيراً في تحمل المتاعب الجمة التي تعرض لها، بدأ آخر يوم من المهلة المحددة وظهر له العجوز الذي كان قد راهنه قبل ستة أعوام وقال له: أهنئك لقد نجحت في الاختبار وبالفعل لم أجد في حياتي إنسان تمكن من تنفيذ طلبي هذا، هاهو النهر أمامك أنت الآن حر في الاستحمام، إلا أن ممتاز لم يتحرك من مكانه وقال للعجوز وهو يقترب منه: أنت تحاول خداعي ولقد أدركت هذا من نظرة عينيك أنت تحاول أن تجعلني عبداً لك في آخر يوم من المهلة، واليوم هو آخر موعد وفي حال استمعت إليك لأصبحت عبداً لك أيها الرجل المخادع، حاول العجوز الاختفاء كما فعل في المرة السابقة إلا أن ممتاز كان هذه المرة أسرع منه فأمسك به من ذقنه وقال له: إياك أن تحاول خداعي مرة أخرى، وأتمنى أن لا أشاهدك أمامي بعد الآن لأني لن أرحمك، خاف العجوز وهرب من وجه ممتاز إلى غير رجعة.

 في صباح اليوم الثاني نهض ممتاز من نومه واغتسل في النهر وقص شعره واعتنى بمظهره فعاد كما كان من قبل شاباً جميلاً وسيماً، وقد أسرع على الفور إلى المدينة واشترى ملابس باهظة الثمن والكثير من الهدايا واستأجر عربة تجرها ست خيول وانطلق مسرعاً إلى منزل خطيبته ليتفقد أحوالها، دخل قصر العجوز بصفته تاجراً ثرياً يريد الزواج من إحدى بنات العجوز بعد أن سمع بأن لديه ثلاثة فتيات جميلات، وقد رحب العجوز بالتاجر وأدخله غرفة الضيوف وأخبر بناته الثلاث برغبة الشاب الجميل في الزواج، وأنه يرغب بمشاهدتهن لاختيار واحدة منهن، أسرعت الشقيقتان الكبيرتان كل إلى غرفتها وارتدت كل منهن أجمل ما عندها من ملابس أما الابنة الصغرى فقد كانت ترتدي رداءً أسود وهو الرداء الذي أصرت على ارتدائه منذ اليوم الأول لارتدائها خاتم الخطوبة.

دخلت الشقيقات الثلاث إلى غرفة الاستقبال وكانت الشقيقتان الكبيرتان ترتديان أجمل مالديهما صحيح أنهن جميلات إلا أنه لم يعرهما أي اهتمام، مما أثار فيهما الغضب إلا أنهما كتما غيظهما لمعرفة ما يريد، أما هو فقد كان ينظر إلى خطيبته التي لم تنظر إليه بل جلست حزينة مطرقة الرأس، فقال لها: لماذا أنت حزينة؟ هل توافقين بأن تكوني زوجة لي؟ نظرت إليه وقالت بأدب واعتذار: أسفة يا سيدي فأنا مرتبطة بإنسان وهبني الحياة من جديد بإعادته إلي والدي سالماً، وقد وعدته بأن أكون زوجةً له ولن أحنث بوعدي له، عندها اقترب ممتاز منها وأمسك بيدها ونظر في عينيها وقال لها: وهو يقدم إليها خاتم والده أنا هو ممتاز الرجل الدب الذي وافقت على الزواج منه قبل ثلاثة أعوام، وأنا أعود إليك الآن بعد انقضاء ثلاثة أعوام كما وعدتك، شعرت الفتاة بسعادة كبيرة فاحتضنها بحنان ومحبة وهي تذرف دموع الفرح.

 

عدد التعليقات : 0

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
عدد زوار الموقعVisitor Counter
الآراء والتعليقات والمقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها
shamspress.com Copyright © 2019 All Rights Reserved
Powered by SyrianMonster Web Hosting Provider