تاريخ النشر 2018-04-08 الساعة 18:57:10
مالك ونادين والمرأة اللبوة
د. جميل بغدادي

عاش في قديم الزمان نبيل وابنته الوحيدة نادين بمنتهى السعادة، فقد كان والدها  كل شيء بالنسبة إليها مثلما كانت هي كل شيء في حياته بعد أن فقد زوجته ووهب حياته ووقته لابنته لتلبية رغباتها وتحقيق أمنياتها، وكان حريصاً على راحتها وسعادتها ولو كان ذلك على حساب راحته وصحته ليعوضها حنان وعطف الأم، وقد مرض الوالد فجاة مرضاً شديداً وخافت عليه ابنته كما خاف بدوره من أن يتركها وحيدة في مقتبل الشباب في حال وفاته، ولهذا فقد وعدها بالزواج في حال شفائه من المرض، وكانت ابنته نادين قد ألحت عليه كثيراً بهذا الطلب، إلا أنه كان يرفض طلبها رفضاً قاطعاً وكان يقول لها في كل مرة: أنت الأمل الذي أعيش من أجله بعد وفاة والدتك، وأنا لن أتزوج بأي امرأة بعد وفاتها لأن أحداً لن يعوض غيابها ويحل مكانها في قلبي أو قلبك. وبعد معاناة  كثيرة بدأ الوالد يستعيد عافيته تدريجياً وعاد مع الأيام إلى سابق عهده، فرحت نادين كثيراً بشفاء والدها وفتحت معه موضوع الزواج، وقد حاول التهرب من الموضوع إلا أنها قالت له: والدي الحبيب هل تريد أن تتركني وحيدة في هذه الحياة في حال أصابك أي مكروه لا سمح الله، تأثر الوالد بكلام ابنته واحتضنها بحنان وقال لها: سأتزوج ليس رغبة في الزواج بل من أجل أن لا أدعك وحيدة في حال وفاتي ولكني لن أتزوج إلا في حال اختيارك أنت الزوجة المناسبة لي والتي ستجدينها بديلة لوالدتك الراحلة .
بدأت نادين تبحث لوالدها عن زوجة مناسبة تكون جديرة به، وقد بدأت سؤال صديقاتها وبدأت التعرف على النساء اللواتي تم اقتراحهن من قبل صديقاتها دون أن تجد بينهم امرأة تليق بوالدها، وذات صباح التقت بامرأة سكنت حديثاً في الشارع الذي يقطنون به، وكانت هذه المرأة ساحرة شريرة ولديها ابنة نسخة طبق الأصل عنها، وكانت الساحرة داهية في تصرفاتها وقد سمعت بأن نادين تبحث لوالدها عن زوجة ووجدت في ذلك فرصة مناسبة للإيقاع بالرجل وابنته، فهـي شاهدت فخامة المنزل الذي يقطنه والذي بين لها أنه من الأثرياء فأحبت أن تستولي على أملاكه بالخديعة، وهكذا بدأت شيئاً فشيئاً تظهر صورة مخالفة تماماً لصورتها وبدأت تستميل الفتاة إليها وشاركتها ابنتها في اللعبة، فوقعت نادين في الفخ دون أن تدري وتأثرت بالكلام المعسول الذي كانت تسمعه من السيدة وابنتها وأصبحت على ثقة بأنها المرأة المناسبة لتكون زوجة لأبيها، وقد فاتحت والدها بالموضوع وطلبت منه ترتيب موعد ليتعارفا على بعضهما البعض .

شاهد الوالد جارته الجديدة وأعجب بها منذ النظرة الأولى فقد كانت جميلة وجذابه للغاية، وكان حديثها عذباً وشيقاً فتمكنت من السيطرة على مشاعره منذ اللقاء الأول، وقد وجد فيها شريكة الحياة المناسبة له وفي ابنتها صديقة لابنته، واتفق الاثنان خلال أسبوع واحد على الزواج وحددا الموعد المناسب، ودعا والد نادين أقاربه وأصدقائه في حين لم تدعو حبيبته أحداً، وقد استغرب ذلك وأراد أن يعرف السبب فسألها عن ذلك فقالت له: نحن وصلنا مدينتكم منذ مدة قصيرة، ونحن لا نعرف أحداً سواكم في الجوار، وأقاربنا يسكنون في مدن بعيدة جداً،وقد اعتذروا عن الحضور لأن الوقت المحدد ليس مناسباً لهم، عندها قال والد نادين: لا تهتمي لذلك فقد أردت أن أعرف السبب وأنا أعتذر منك للإزعاج  الذي سببته لك في سؤالي، فقالت له بصوت عذب: هـون عليك يا حبيبي فأنت كل ما أملكه الآن في هذه الحياة.

مضت أسابيع قليلة وأصبح الزوج المسكين ألعوبة بيد زوجته، لقد تمكنت من السيطرة عليه، وأصبح رهين إشارتها في أي تصرف يقوم به وفي أي قرار يتخذه، في حين صبت جام غضبها على ابنته الفاتنة دارين لأنها تتميز بكل شيء عن ابنتها جمالاً وذكاءً ومعرفةً وأدباً، فأضمرت لها الشر لأنها كانت على الدوام تقارن بينها وبين ابنتها .ذات صباح قالت المرأة لزوجها : أريد منك أن تطرد ابنتك خارج المنزل فهي تسبب لي ولابنتي الكثير من المعاناة، عليك أن تدبر لها مكاناً لتعيش به بعيداً عنا وذلك خلال مدة أقصاها أسبوع واحد، وإلا فإني سأتدبر أمرها وأتخلص منها بالطريقة المناسبة .

خاف الوالد على ابنته كثيراً وقلق على مصيرها، إنه لا يريد الابتعاد عنها ولكنه بنفس الوقت يخاف أن تتعرض للأذى من زوجته خاصة بعد أن هددته صراحة بذلك، ولهذا فقد قرر التصرف سريعاً لإنقاذ وحيدته من المستقبل المجهول الذي قد يكون قاسياً عليها، وقد تمكن خلال أيام ثلاثة من العثور على زوج مناسب لابنته هو ابن صديقه الحميم، وعندما عرض عليها الأمر رحبت بالفكرة لأنها بدورها تريد أن تتخلص من الظلم الذي تتعرض له وتريد أن تحمي والدها من المواحهة مع زوجته بسببها، ولكنها طلبت منه التعرف على الشاب مالك الذي حدثها والدها عنه الشيء الكثير، فقال لها : بالتأكيد فهذا الموضوع هام جداً، وعلى كل منكما أن يشعر بالإعجاب بالآخر، فأخذها إليه وكان الشاب يسكن بالقرب من الغابة وكان ثرياً يسكن في قصر كبير وعرف بشهامته وكرمه وطيب أخلاقه، وقد جلسا يتحدثان وأعجبت كل منهما بالآخر، وقرر الوالد أن يزوج ابنته في الحال بعد أن حدث الشاب وابنته بما حدث بينه وبين زوجته قبل ثلاثة أيام والتهديدات التي وجهتها له في حال عدم إبعادها عن المنزل، تمت مراسيم الزفاف بسرعة واطمأن الوالد أن ابنته الآن في أيد أمينة فعاد إلى المنزل وهو يشعر بمنتهى السعادة.

 شعرت الساحرة بسعادة كبيرة وبأنها حققت الانتصار عندما شاهدت زوجها يعود وحيداً فسألته عن نادين فقال لها: لقد حققت أمنيتك بإبعادها عن المنزل لقد زوجتها بأول شخص التقيت به في الغابة، فرحت الساحرة للكلام الذي سمعته إلا أنها لاحظت أن زوجها سعيد للغاية رغم ابتعاد ابنته، ولهذا شعرت بالإنزعاج الشديد وقررت تقصي الحقيقة، طلبت من أحد معارفها بمراقبة زوجها، وهكذا أخذت تتابع أخبارها من هذا الرجل أولاً بأول وسمعت بأنها تعيش بمنتهى السعادة مع زوجها مالك فأزعجها ما سمعت فقررت الانتقام من زوجها نبيل ومن ابنته  نادين،  شعر نبيل بالخوف من زوجته فقد كانت عيناها تقدحان شرراً فأيقن أنها تضمر الشر له، فقرر السفر خارج المدينة بقصد التجارة ريثما يتدبر أمره ويجد وسيلة تخلصه من زوجته وابنتها بعد أن كشف حقيقتهما .
مضت الأيام ورزقت نادين بطفل جميل وعندما وصلت الساحرة هذه الأخبار شعرت بالغضب الكبير وقررت الانتقام، اصطحبت ابنتها وذهبت لزيارة نادين، وعندما شاهدتها نادين وهي تدخل غرفة نومها أحست بالفزع الشديد فهي تدرك تماماً مدى كراهية هذه المرأة لها ولوالدها، وأدركت بأنها تبيت لها ولطفلها الرضيع  مصيبة، وقد شعرت بالخوف الكبير لأن مالك غائب عن المنزل وهي وحيدة في القصر مع خادمتها، ولهذا فقد احتضنت الطفل بشدة وضمته إلى صدرها وهي ترتجف من الفزع، لاحظت الساحرة خوف نادين الواضح فابتسمت بسعادة ثم قالت للخادمة التي كانت تجلس مع نادين: أرجو منك يا ابنتي أن تحضري لي كأساً من الشاي فأنا أشعر بالبرد الشديد فقد قطعت وابنتي مسافة طويلة لنصل إليكم، وقالت ابنة الساحرة وأنا أريد منك أن تعدي لي فنجاناً من القهوة، خرجت الخادمة من الغرفة لتنفيذ رغبة الضيفتين بعد أن لاحظت مقدار الخوف الذي بدا على وجه سيدتها، وفور مغادرة الخادمة الغرفة أخرجت الساحرة زجاجة من جيبها وألقته على نادين فتحولت على الفور إلى امرأة لبوة، وكانت الخادمة تختلس النظر في الغرفة خوفاً على سيدتها وعندما شاهدت ما حدث كادت تقع أرضاً من هول المفاجأة فبعد أن حولت سيدتها إلى امرأة لبوة جعلت ابنتها صورة طبق الأصل عن نادين، وعندها قالت الساحرة للمرأة اللبوة اسمعيني جيداً إذا أردت بأن يظل ابنك على قيد الحياة فيتوجب عليك عدم الاقتراب من هذا المكان، ويمكنك أن تستمتعي بجسدك كل يوم لمدة ربع ساعة فقط، وإذا أخبرتي زوجك بما حدث فسيدفع الصغير رأسه ثمناً لذلك، إذهبي إلى الغابة ولا تجعليني أشاهد وجهك.

بعد أن سمعت الخادمة كلام الساحرة أحست بالقشعرية والرعب الشديد وخافت أن تشعر بودودها الساحرة الشريرة فسارت على رؤوس أصابعها ونفذت رغبتهما وأعدت الشاي والقهوة وقدمتها إلى الساحرة وسألتها عن ابنتها فقالت لها لقد عادت أدراجها إلى المنزل، بعد أن شاهدت نادين بخير فهزت نادين رأسها تصديقاً لكلام الساحرة، وعندما عاد مالك إلى المنزل قبل نادين وابنه بحنان فعرفته ابنة الساحرة التي انتحلت شخصية نادين على والدتها، وقالت له: أريد من زوجة أبي أن تعيش معنا في المنزل، فقال لها: كما ترغبين يا عزيزتي فأنا يهمني راحتك، ولكنه أحس بشيء غريب فهو لم يشعر بنفس اللهفة التي كان يشعر بها في السابق حيال زوجته عندما كان يقبلها أو يقترب منها، كما استغرب طلبها ببقاء زوجة أبيها وهو سمع منها الشيء الكثير عن المعاناة التي تعرضت لها في السابق.

مرت الأيام وتولت الخادمة مسؤولية العناية بالصغير بناء على تعليمات الساحرة فاستغلت ذلك باصطحاب الصغير إلى الغابة، وكانت تنادي بصوت عال: أيتها المرأة اللبوة تعالي لإطعام ابنك، وكانت نادين تسرع إلى خادمتها وتقوم بإرضاع ابنها بعد أن تنتزع عنها رداء اللبوة. لاحظ مالك الذي تصادف وجوده في المنزل ذات يوم أن خادمته أخذت ابنه وغادرت القصر وقد عادت بعد نحو ساعتين، وأحس بنوع من القلق لتصرفها ، فقرر مراقبتها ووجدها في اليوم الثاني والثالث تغادر المنزل في نفس الموعد فقرر متابعة خطواتها لمعرفة أين تأخذ الصغير.

في اليوم التالي لاحق مالك خادمته وشاهدها وهي تحمل طفله وتنطلق به باتجاه الغابة، شعر بالفزع والقلق الشديدين فالغابة ممتلئة بالحيوانات المفترسة والزواحف شديدة الخطورة، إلا أنه أراد أن يشاهد سبب حضورها، فهو متأكد من أمانتها وإخلاصها له، فهي التي أشرفت على العناية به عندما كان صغيراً، وقد أصيب بالفزع الشديد عندما سمع خادمته تصرخ بصوت مرتفع: أيتها المرأة اللبوة تعالي لإطعام ابنك، وأصيب بالذهول عندما شاهد اللبوة تقترب من ابنه وتخلع عن جسـدها رداء اللبوة وتتحول إلى امرأة وتقوم بإرضاع الصغير، لقد استغل مالك انهماك المرأة بإرضاع صغيره وسارع بإشعال النار في الرداء الذي خلعته اللبوة عن جسدها فاحترق بشكل كامل وانتهى بذلك سحر الساحرة، عندها صرخت نادين من الفرح عندما شاهدت زوجها وأصيب بدوره بالدهشة عندما سمع صوتها وتأكد من شخصيتها فقالت له: لا تستغرب وجودي في هذا المكان إن زوجة أبي ساحرة شريرة وقد حولتني إلى لبوة وجعلت من ابنتها صورة طبق الأصل عني، فقال لها الزوج: لقد شعرت بإحساس غريب نحوها ولم اقترب منها طوال غيابك، ولم أجد تفسيراً لذلك، أما الآن فقد عرفت الحقيقة كاملةً وأدركت سبب هذا الإحساس الغريب، شكر مالك خادمته المخلصة ولكنـه عاتبها لإخفاء الحقيقة عنه، فقالت له: أولاً لقد خفت على الصغير من الأذى، وثانياً ستعتقد أني مجنونة فكيف سـتصدق أقوالي ونادين داخل قصرك، فقال لها مالك: أنت محقة في تصرفك وأنا لن أنسى لك صنيعك هذا، وفكر الزوجان بما يمكن أن يقوما به للتخلص من الساحرة الشريرة وابنتها، فاستنجدا بأحد السحرة وأخبراه بما جرى من أحداث فقرر مساعدتهما، دخل الجميع إلى القصر خلسة وكانت الساحرة وابنتها منهمكتان في الحديث، فاستغل الساحر ذلك وألقى الماء السحري عليهما وحولهما إلى دجاجتين، وهكذا عاشتا طوال عمرهما كدجاجتين في حظيرة القصر، بينما عاشت نادين وزوجها وابنهما بسـعادة وهناء وخاصة بعد أن عاد والدها نبيل من سفره ووافق على العيش معهما في القصر. 

عدد التعليقات : 0

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
عدد زوار الموقعVisitor Counter
الآراء والتعليقات والمقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها
shamspress.com Copyright © 2019 All Rights Reserved
Powered by SyrianMonster Web Hosting Provider