تاريخ النشر 2018-04-17 الساعة 19:10:52
نورا ودارين والشجرة المتجمدة
د. جميل بغدادي

جرت أحداث هذه القصة منذ زمن بعيد، فقد عاش رجل مع زوجته وابنته الوحيدة نورا التي تمتعت بكل المواصفات الإيجابية من جمال وذكاء وأدب، فكانت صورة طبق الأصل عن والدتها، عاشت هذه العائلة بمنتهى السعادة إلا أن سعادتهما لم تكتمل فقد مرضت الزوجة بمرض غامض وعجز الأطباء عن إيجاد علاج لها فقضت نحبها خلال فترة قصيرة، وقد وعد الزوج زوجته التي كانت تحتضر وقبل أن تلفظ أنفاسها الأخيرة أن يهتم بابنته، وأن يقوم بواجبه نحوها على أكمل وجه ليعوضها حنان الأم. مرت الأيام وانهمك الرجل في عمله ولم يعد باستطاعته الاهتمام بإبنته كما يتوجب وشعر بأن ابنته الصغيرة وحيدة وأنها في عزلة عن العالم، وأنها بحاجة إلى إنسان يقف إلى جانبها ويساعدها ويقدم لها المشورة والنصيحة ولهذا قرر الاقتران بامرأة كان يعرفها قبل الزواج وهي تسكن بالقرب من منزله، وقد فقدت زوجها ولديها ابنة وحيدة تكبر ابنته بعام واحد فقط اسمها دارين ولكنها تختلف عن نورا بكل شيء فهي اكتسبت الطباع السيئة التي تتسم بها والدتها .

تزوج الرجل من جارته وهو يعتقد أنه بهذا الزواج سيسعد ابنته، لأن الزوجة الجديدة حسب اعتقاده ستسعد ابنته وتعوضها حنان الأم وستكون ابنتها شقيقة لابنته، كان الوالد مخطئاً في اعتقاده فقد جاء هذا الزواج كالمصيبة التي أصابت الصغيرة نورا، فقد أخذت زوجة الأب تعامل الفتاة المسكينة بمنتهى القسوة والوحشية ولا تكتفي بهذا فقط بل تسمعها كلاماً نابياً لم تسمع مثله الفتاة في حياتها، وكانت إضافة إلى ذلك  ترهقها في الأعمال كي لا تعطيها أية فرصة للاستراحة فالطلبات بالنسبة إليها لا تنتهي وهي أوامر وعلى نورا أن تنفذها دون اي اعتراض، كانت صغيرتنا تنفذ بطاعة عمياء جميع طلبات ورغبات زوجة أبيها بصمت كامل وصبر عجيبين مما كان يثير غضب زوجة أبيها وابنتها دارين، وفي المقابل تمتعت دارين بالراحة والاسترخاء وكانت تعاملها معاملة الملكات والأميرات، بحيث تقوم نورا بخدمها كما تفعل الخادمات .

مرت الأيام وازدادت معاناة نورا من زوجة أبيها وابنتها الشرسة دارين وكانت بالرغم من ذلك تلتزم الصمت كي لا تزعج والدها، وبدلاً من أن تلتزم والدة دارين الصمت فقد كثرت تذمراتها وبدأت تشكو نورا لأبيها وتقول له: إن ابنتك سيئة للغاية وهي تخاطبني بأسـلوب غير لائق وترفض مشاركتي وابنتي في أعمال المنزل وهي غير جديرة بالإقامة بيننا، وكان الوالد المسكين يدرك تماماً أن زوجته كاذبة في ادعائاتها، وأن ابنته تلاقي العذاب من زوجته وابنتها، كان الزوج حريصاً على امتصاص غضبها كي لا تسئ إلى ابنته، وفي أحد الأيام قالت لزوجها بغضب شديد: اسمعني جيداً لقد كنت اليوم في عيادة الطبيب وقال إني حامل بطفل ذكر وإني بحاجة إلى الراحة وإلى هدوء الأعصاب وهذا لن يتحقق في حال بقيت ابنتك في المنزل،  وأنا بالتأكيد سأفقد الجنين وسأحرمك الولد الذي ترغب بقدومه، واستطردت قائلة إنها مشاكسة وعنيدة لا تفعل شيئاً في المنزل تجلس وتلعب وكأن شؤون المنزل لا تعنيها بشيء، بينما ابنتي المسكينة دارين تعمل كالنحلة فهي لا تهدأ ولا تتذمر، ولهذا يتوجب عليك اتخاذ قرار إما أن تطرد نورا من المنزل، وإما أن تطردني مع الطفل الذي أحمله في أحشائي والذي سيكون قدومه خيراً عليك، لقد كان الوالد يدرك تماماً أن زوجته كاذبة وأن ابنته نورا هي التي تعمل في حين أن ابنتها دارين لا تعمل شيئاً، وأنها كاذبة أيضاً في موضوع حملها، وعندما حاول اقناعها بالعدول عن فكرتها نظرت في عينيه وقالت له: غداً ستأخذها إلى الغابة وتتركها بمفردها وتعود سريعاً، حاول ثانية إقناعها بالعدول عن فكرتها وقال لها: إذا لم تقتلها الحيوانات الشرسة في الغابة فإنها ستموت من الصقيع فالجليد كما ترين يملأ المكان، إلا أنها ازدادت إصراراً على موقفها وهددته بقتلها إذا لم يأخذها إلى الغابة، وقالت له مكررة كلامها: للمرة الأخيرة أقول لك عليك أن تأخذها في الغد إلى الغابة وأن تتركها هناك هل سمعت ما أقول؟ بدا والد نورا كالمسحور أمام كلام زوجته وقال لها: حسناً في الغد سأفعل ما تريدين.

في صباح اليوم الثاني نهضت زوجة الأب باكرةً وأيقظت زوجها وقالت له وهي تنظر في عينيه: عليك أن تأخذ نورا إلى الغابة على الفور، وأصبح الزوج ألعوبة بيد زوجته، نادى ابنته وألبسها معطفها وقبعتها ووضع شالاً على رقبتها إلا أن زوجته أسرعت نحوها وجردتها من معطفها وقبعتها وشالها وتركتها فقط بفستانها الممزق الذي ترتديه، وأمرت زوجها بأخذ وحيدته إلى الغابة بهذا الوضع، جلست الفتاة المسكينة في العربة بالقرب من والدها وانطلق الجواد مسرعاً باتجاه الغابة والأب يذرف الدموع الغزيرة فقالت له ابنته: لا تحزن يا والدي الحبيب سأكون بخير.

أنزل الوالد ابنته برفق وحنان ووضعها فوق جذع شجرة كبيرة كانت متجمدة من كثافة الثلوج وقبلها بحنان وعاد مسرعاً من حيث أتى وهو يذرف الدموع، كان البرد شديداً للغاية، وقد ارتجفت الفتاة المسكينة من شدة البرد وحاولت الابتعاد قليلاً بجسدها عن جذع الشجرة المتجمد، فما كان من الشجرة إلا أن انحنت نحو الفتاة المسكينة وقالت لها: أنا أشعر بالبرد الشديد هل تسمحين لي يا ابنتي بأن أقترب منك بعض الشيء لأشعر ببعض الدفء؟ قالت لها نورا وهي ترتجف من شدة البرد: بالتأكيد إذا كان في هذا فائدة لك فلا مانع عندي فانحنت الشجرة نحو الفتاة بشكل أكثر، شعرت الفتاة المسكينة بأنها ستتجمد من البرد، فقالت لها الشجرة مجدداً: أيتها الفتاة الجميلة هل تسمحين لي بأن أقترب منك أكثر؟ قالت لها نورا بصوت مرتجف من شـدة البرد: إذا كان هذا سيمنحك الدفء فلا مانع عندي انحنت الشجرة مجدداً نحو الفتاة وأصبحت أغصانها ملتصقة بجسدها، شعرت الفتاة الطيبة بأن قلبها سيتوقف عن الخفقان إلا أنها التزمت الصمت وقد أخذ جسدها يرتجف وأسنانها تصطك بعضها ببعض فلاحظت الشجرة ذلك وقالت للفتاة مجدداً: هل تسمحين لي بأن أقترب منك بعض الشيء أيضاً فقالت لها الصغيرة  بصعوبة: لك ماتريدين يا عزيزتي وفقدت وعيها .

في صباح اليوم الثاني نهضت زوجة الأب من نومها باكرةً على غير عادتها، وقالت لوالد نورا: عليك الذهاب إلى الغابة لإحضار جثتها كي تدفنها في حديقة المنزل، أخذ الوالد يبكي حزناً من الألم عندما سمع كلمات زوجته فقد شعر بتأنيب الضمير لسماعه كلام زوجته واصطحاب وحيدته إلى الغابة. ركب صهوة جواده وانطلق مسرعاً نحو الغابة وعندما وصل إلى المكان الذي وضع فيه ابنته أصيب بالدهشة وأخذ يقبل الأرض من شدة الفرح، فقد شاهد نورا والابتسامة تملأ وجهها وكانت بمنتهى الحيوية والنشاط، فأسرعت نحوه لتعبر عن حبها وكانت ترتدي ملابس مرصعة بالمجوهرات الثمينة. فرح الوالد كثيراً بسلامة ابنته واحتضنها بحنان وهو يذرف دموع الفرح وقال لها: أرجو منك يا حبيبتي أن تسامحينني، وأنا لا أدري حقيقية كيف أحضرتك إلى الغابة، أعتقد أن زوجتي ساحرة شريرة وأنها سيطرت على عقلي بإجباري على اصطحابك، فقالت له نورا: هون عليك الأمر يا والدي فإنها بالفعل استخدمت السحر في التأثير عليك وإملاء رغباتها .

أجلس الوالد ابنته على صهوة حصانه وانطلق عائداً إلى المنزل، لقد كانت زوجته تتوقع أن تشاهد ابنته جثة هامدة وعندما شاهدتها وقد ازدادت جمالاً عما كانت عليه وهي ترتدي فستاناً مرصعاً بالمجوهرات ازداد حقدها وأخذت عينيها تقدحان شرراً، فالطمع أخذ منها كل مأخذ. ولكنها قالت لها بتودد غير مسبوق: قولي لي يا ابنتي الحبيبة من أعطاك هذا الفستان؟  فقالت لها نورا: بصراحة لا أعرف كل ما أعرفه هو أن والدي الحبيب وضعني فوق الشجرة المتجمدة، وعندما استيقظت وجدت نفسي على هذه الحال، لقد كانت نورا صادقة في كلامها فهي بالفعل فقدت وعيها وعندما استيقظت وجدت نفسها بهذا الفستان، وقد حاولت زوجة أبيها نزع الفستان عند جسدها إلا أنها فشلت في ذلك وكأن الفستان ملتصق بجسدها، عندها قالت لزوجها: عليك في الغد أن تصطحب ابنتي دارين وتضعها في نفس المكان عند الشجرة المتجمدة .

في صباح اليوم الثاني استيقظت زوجة الأب وألبست ابنتها دارين معطفاً ثقيلاً وقبعة من الفرو وشالاً وكفوفاً من الصوف بالإضافة إلى الملابس الصوفية الداخلية الثقيلة لتقيها من البرد القارس، وأجلستها في العربة وقالت لها ستعودين في الغد ومعك فستاناً من المجوهرات كالذي أحضرته نورا. انطلقت العربة باتجاه الغابة وعندما وصل والد نورا إلى نفس المكان وضع دارين فوق جذع الشجرة، وغادر المكان عائداً من حيث أتى . شعرت الفتاة على الفور بالبرد الشديد وأخذ جسدها يرتجف من شدة البرد على الرغم من الملابس الثقيلة التي ترتديها فقالت لها الشجرة المتجمدة: هل تسمحين لي أيتها الفتاة بأن أقترب منك قليلاً؟ أجابتها الفتاة بفظاظة تعلمتها من والدتها: أتعتقدين أني مجنونة أيتها الشجرة ألا ترين أني أرتجف من البرد؟ كيف أسمح لك بالدنو مني وأنك مغطاة بالثلوج ، كلا ابتعدي عني قالت هذا الكلام ودفعت الأغصان عنها بقسوة. بعد دقائق قليلة ازداد الطقس برودة وأخذت الفتاة ترتعش بشكل أكثر فقالت لها الشجرة: ابنتي الحبيبة أنا أشعر بالبرودة الشديدة فهل تسمحين لي بالاقتراب منك لأشعر بنوع من الدفء؟ فقالت لها الفتاة بغضب وهي تبعد الأغصان عنها: هل تعتقدين بأني مجنونة كي أوافق على طلبك الغبي هذا بالتأكيد حلم لن يتحقق ابتعدي من طريقي بسرعة عندها استجابت الشجرة لطلب دارين وأبعدت جميع أغصانها عنها .

في صباح اليوم الثاني استيقظت والدة دارين وقالت لزوجها بغضب شديد: هيا بنا كي نأتي بدارين وسوف نحتفل بعودتها وهي ترتدي الملابس المطرزة بالمجوهرات وعندها سأطر ابنتك من منزلي، هز الرجل المسكين رأسه وركب العربة منطلقاً بها إلى الغابة دون أن يحدث زوجته بأية كلمة، فقد اتخذ قراراً بهجرها والعيش مجدداً مع وحيدته. وصل الزوجان إلى الشجرة المتجمدة وصرخت الأم من شدة الألم فقد شاهدت وحيدتها على الأرض جثة هامدة متجمدة من شدة البرد، ولم تتحمل الأم المنكوبة ما حدث لوحيدتها فسقطت بدورها على الأرض جثة هامدة بالقرب من ابنتها، لقد انتصر الخير في نهاية المطاف على الشر، وحصد كل منهما نتيجة أعماله، أما والد نورا فقد عاد إلى المنزل مع ابنته بعد أن قام بواجبه على أكمل وجه بدفن زوجته وابنتها في الغابة .

 

عدد التعليقات : 0

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
عدد زوار الموقعVisitor Counter
الآراء والتعليقات والمقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها
shamspress.com Copyright © 2019 All Rights Reserved
Powered by SyrianMonster Web Hosting Provider