تاريخ النشر 2018-10-01 الساعة 04:43:00
البطريرك المسكوني يخرق تعاليم الكنيسة
د. اسكندر كفوري

 

ما الذي يجري حاليا في كنيسة القسطنطينية؟ التي يجلس على عرشها البطريرك بارثلماوس الأول وهو يتخذ ويشجع على قرارات لا تساهم الا في تقسيم العالم الأرثوذكسي، خارقا بذلك كل تعاليم الرسل والشرع وقرارات المجامع الكنسية المسيحية متفردا بقرارات مجحفة لا تعبر عن إرادة ووحدة الكنيسة الارثوذكسية بقدر ما تعبر عن تعاميم سياسية تصدر اليه من المهتمين بشق هذه الكنيسة وتقسيم العالم الأرثوذكسي واذكاء نار الفتنة! وللأسف الشديد فان هذا البطريرك لم يرتدع بالرغم من مناشدات الغالبية الساحقة لبطاركة الكنائس الارثوذكسية الـ 15 ورؤساء اساقفتها.

فقد أعلنت الأمانة العامة للمجمع المقدس للبطريركية المسكونية في 7 أيلول 2018، أنه وفي إطار التحضيرات لمنح الاستقلال للكنيسة الأرثوذكسية في أوكرانيا، تمّ تعيين ممثلَين للبطريركية المسكونية في كييف، المطران دانيال رئيس أساقفة بامفيلون في الولايات المتحدة، والمطران إيلاريون أسقف إدمونتون في كندا، وكلفهما بخدمة المؤمنين الأرثوذكس الأوكرانيين في بلديهما تحت سلطة البطريركية المسكونية.

وللإضاءة على الأزمة التي تعيشها الكنسية الأوكرانية حاليا، نشير إلى ان الكنيسة الأوكرانية تابعة تاريخيا لكنيسة موسكو وسائر الروسيا (التي تضم مناطق واسعة، منها روسيا الصغرى - أي أوكرانيا الحالية) منذ العام 1686 وقد راح المطران فيلاريت الذي كان أحد المرشحين لمنصب بطريرك الكنيسة الروسية في العام 1990 ولما لم يحالفه الحظ، يطالب بالانشقاق عن الكنيسة الروسية في العام 1991 وإقامة كنيسة اوكرانية محلية. وبناء عليه جرى نزع رتبته في العام 1992 وتم فصله نهائيا من الكنيسة في العام 1997.

ومن المعروف ان الكنيسة الأوكرانية تتمتع بكيان قائم بذاته ضمن بطريركية موسكو وسائر الروسيا وعلى رأسها رئيس الأساقفة اونوفريوس، وبالرغم من تدخل السلطات الزمنية والقيادة السياسية الأوكرانية ضد هذه الكنيسة فان الفرع غير الشرعي الذي يقوده فيلاريت (ميخايلو دينيسينكو) لا يمثل أكثر من 25 بالمئة من الرعايا، فيما رعايا الكنيسة الشرعية بقيادة رئيس الأساقفة اونوفريوس تضم 75 بالمئة من المؤمنين الأرثوذكس الاوكرانيين. هذا مع العلم ان المتطرفين اليمينين قاموا بإحراق عشرات الكنائس وقتل وضرب واضطهاد رجال الدين والمؤمنين الاوكرانيين في المدن والقرى الذين يرفضون الالتحاق بفيلاريت – دينيسينكو، واخضعوا بقوة السلاح وبمشاركة مباشرة وحراسة وتغاضي من القوى الأمنية، 40 كنيسة في الفترة الأخيرة والحقوها بما يسمى الكنيسة المحلية. وبالرغم مما يبدو انه عملية تدخل فاضحة من السياسيين الحاكمين في أوكرانيا حاليا بمصير واحوال الكنيسة، وبالرغم من العنف الممارس ضد رجال الدين والمؤمنين وبالرغم من ان الشرع الكنسي يحرم التعامل مع رجال دين سابقين مفصولين، يقوم بطريرك القسطنطينية بتشجيع هذا الجزء من الانفصاليين ضاربا عرض الحائط بالقوانين الكنيسة حيث ان الشرع الكنسي ومجامع الكنيسة السبعة وتعاليم الرسل تسمح بولادة كنيسة جديدة في حالة واحدة، وهي تقديم الكنيسة المعنية طلبا بالانفصال أي الكنيسة الأوكرانية. وثانيا، قبول الكنيسة الام أي كنيسة موسكو وسائر الروسيا الطلب. وثالثا، موافقة الكنائس الـ 15 الارثوذكسية على ذلك بالإجماع. وفي الحقيقة فان أيا من هذه الشروط لم يجر مراعاتها.

ولذلك فان البطريرك برثلماوس خالف ويخالف مبادئ كنيسته المعروفة تماما منه ويعلن نفسه حاكما بأمره بين الكنائس وهو المعتبر بطريركا متقدما بين متساوين ليس الا. وتقدمه هو في الكرامة شكليا وليس في فرض القرارات وهذا امر مفروغ منه في الكنيسة الارثوذكسية.

ما هي دوافع البطريرك المسكوني

كما يبدو فان البطريرك برثلماوس لا ينطلق من المبادئ الكنسية السمحة بل من مصالح ذاتية خاصة جدا تتحكم به وبالمحيطين به فاذا عرفنا ان الكنيسة المسكونية لم يعد لها من الرعايا في تركيا الا 3000 شخص من اليونانيين وهناك أكثر من 125 مطرانا لها، نصفهم تقريبا شكلي على مناطق تاريخية لم يعد فيها رعايا ونصفهم الاخر في الشتات. في تركيا وحدها 6 مطارنة على 3 الاف نسمة من المؤمنين. ومن هنا يظهر جنوح البطريرك التاريخي نحو ممالأة بعض الدول التي يمكنها ان تقدم له المساعدات المادية والا كيف يمكن تفسير انقياده لقرارات حكام أتوا بانقلاب وشاءوا ان يغيروا مسار وقوانين كنسية عمرها أكثر من الفي سنة. فهل كل ما رغب انقلابي يمكنه ان يعيد تغيير هذه الأمور وفق مشيئته؟

الكنيسة لم تتغير طيلة مئات السنين بالرغم من تغير الأنظمة فكيف يمكن السير بمثل هذه المغامرات التي يمكن ان تؤدي الى حرب أهلية في أوكرانيا؟

من ناحية ثانية فقد كتب الكثير في الاعلام عن تبعية قيادة الكنيسة المسكونية للإدارة الأميركية وتنفيذ البطريرك برثلماوس لأوامر غير كنسية تستهدف شق الكنيسة الارثوذكسية والعالم الأرثوذكسي ونقله من مساره التاريخي الطبيعي الى مسار يحابي المشاريع الأميركية.

فقد اتهمت صحيفة "gunes" التركية في عددها الصادر في 30 آب 2016 البطريرك برثلماوس بالتواطؤ مع الزعيم التركي المتطرف فتح الله غولان الفار الى الولايات المتحدة، ونقلت عن السفير الأميركي السابق في اليمن ارتور هيوز قوله ان الانقلاب الذي حصل في تركيا في العام 2016 خططت له المخابرات المركزية الأميركية وساعدها فيه أعوان غولان والبطريركية المسكونية. وادعى السفير الأميركي هيوز ان الأموال كانت تنقل من المخابرات المركزية الأميركية الى أعوان غولان عبر الكنيسة المسكونية ولم ينف أحد هذه المعلومات. كما زعم السفير الأميركي ان أحد رجال الدين التابعين للكنيسة المسكونية المدعو الكسندر كارلوتسوس "Karloutsos" وبالتعاون مع الدبلوماسيين الاميركيين غراهام فولر وجورج فيداس ساعدوا في العام 1999 على تنظيم هروب غولان بطلب من الاميركيين. وأضاف ان جورج سوروس الملياردير الأميركي طلب شخصيا من وزيرة الخارجية الأميركية في ذلك الوقت هيلاري كلينتون وبمشاركة من مدير المخابرات المركزية الأميركية جورج تينيت التدخل مباشرة في حث الافرقاء على المشاركة في الانقلاب والاطاحة باردوغان. وان التنسيق بين غولان والمخابرات المركزية الأميركية والكنيسة المسكونية كان على اعلى مستوى. كما اشارت بعض الجهات الى تورط بعض الأساقفة في التعاون اللصيق مع المخابرات المركزية الأميركية وقيامهم بأدوار خارج سلطاتهم الكنسية. 

فمن يحرص على مصلحة ووحدة الكنيسة الارثوذكسية، حتما لا يتصرف بهذه الطريقة التي تنطلق من دوافع وأهداف غير كنسية من اشخاص المفروض ان يكون همهم ليس العمل على اشعال حرب أهلية يمكن ان يؤدي اليها قرار البطريرك المسكوني، بل السعي لخنق أي فتنة في المهد والمساعدة على إعادة اللحمة بين الكنائس والشعب على أسس متعارف عليها منذ الفي عام.

هذه الخطوات التي يقوم ويشجع عليها بطريرك القسطنطينية ستلحق الكثير من الضرر والأذى بالكنيسة التي يجلس على عرشها البطريرك برثلماوس وستؤدي الى تفكك الوحدة الارثوذكسية والى نزع اعتراف أكثر من نصف أرثوذكس العالم اذ لم نقل أكثر به، كل ذلك من دون وجود مبرر منطقي وقانوني لمثل هذه التصرفات، سوى التبعية لغير التعاليم الكنسية التي ستقود البعض الى المهالك لا محالة.   

 

 

عدد التعليقات : 0

هل ترغب في التعليق على الموضوع ؟
الاسم الكامل : *
البريد الالكتروني :
عنوان التعليق : *
التعليق : *

اكتب الرقم : *
 

 
عدد زوار الموقعVisitor Counter
الآراء والتعليقات والمقالات المنشورة تعبر عن رأي أصحابها
shamspress.com Copyright © 2018 All Rights Reserved
Powered by SyrianMonster Web Hosting Provider